ابن عربي

438

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

على الطبيعة لما أيده اللّه به من القوة الإلهية ، فإذا أراد الإنسان أن ينجب ولده ، فليقم في نفسه عند اجتماعه مع امرأته صورة من شاء من أكابر العلماء ، وإن أراد أن يحكم أمر ذلك فليصورها في صورتها التي نقلت إليه ، أو رآه عليها المصور ، ويذكر لامرأته حسن ما كانت عليه تلك الصورة ، وإذا صورها المصور فليصورها على صورة حسن علمه وأخلاقه ، وإن كانت صورته المحسوسة قبيحة المنظر فلا يصورها إلا حسنة المنظر ، بقدر حسن علمه وأخلاقه ، كأنه يجسد تلك المعاني ، ويحضر تلك الصورة لامرأته ولعينه عند الجماع ، ويستفرغان في النظر إلى حسنها ، فإن وقع للمرأة حمل من ذلك الجماع ، أثّر في ذلك الحمل ما تخيلا من تلك الصورة في النفس ، فيخرج المولود بتلك المنزلة ولا بدّ حتى إنه إن لم يخرج كذلك فلأمر طرأ في نفس الوالدين عند نزول النطفة في الرحم ، أخرجهما ذلك الأمر عن مشاهدة تلك الصورة في الخيال من حيث لا يشعرون ، وتعبر عنه العامة بتوحم المرأة . وقد يقع بالاتفاق عند الوقاع في نفس أحد الزوجين أو الزوجين صورة كلب أو أسد أو حيوان ما ، فيخرج الولد من ذلك الوقاع على أخلاقه على صورة ما وقع للوالدين من تخيل ذلك الحيوان ، وإن اختلفا فيظهر في الولد صورة ما تخيله الوالد وصورة ما تخيلته الأم ، حتى في الحسن الظاهر في الصورة أو في القبح ، والناس مع معرفتهم بهذا لا يرفعون به رأسا . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 40 ] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) أعجب من حال زكريا عليه السلام ما رأيت ، وما رأيت من ظهر فيه سلطان الإنسانية مثله ، هو الذي يقول ( هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) فما سأل حتى تصور الوقوع ، ولا بقوله « رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » فأين هذه الحالة من تلك الحالة ؟ . فإن لم يكن ثم قرينة حال جعلته أن يقول مثل هذا حتى يقال له في الوحي « كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » فيكون قصده إعلام اللّه بذلك ، حتى يعلم غيره أن اللّه يفعل ما يشاء في المعتاد أن يخرقه كما وقع ، وإن كان ذلك القول من نفسه فقد أعطته الإنسانية قوتها ، فإن الإنسان بذاته كما ذكره اللّه في كتابه ، فما ذكره اللّه في موضع إلا وذكر عند